المقال منشور في موقع إيلاف نقلا عن جريدة أوان الكويتية
تصيبني مشروعات التحديث بالارتباك، لأن تاريخها وما انتهت إليه في عالمنا يثير الجدل. وزيارتي إلى دبي قبل أيام سببت لي ارتباكا لم أتعاف منه حتى الآن، فمن جانب،أعجبتني ناطحات السحاب، التي أشعرتني، لولا الرطوبة والحر الشديدان، بأنني في نيويورك، وأوجعت رقبتي مشاهدة أطول برج في العالم، وأدهشني فندق “برج العرب”، وشواطئ الجميرة، وملاعب الغولف، والخيول، والمولات التسوقية الضخمة. ومن جانب آخر، لم أكن متأكدا ما إذا طالت موجة التحديث المواطنيين أنفسهم، الذين لم استشعر وجودهم وأنا اتنقل بين الناطحات.
وهذا الذي قصدته من أن موضوع التحديث مثير للجدل،لأنه يتعلق بماهية التحديث، ومن أين يبدأ: من الانسان أم من محيطه؟ فهناك من يرى بأن التحديث يمر من بوابة الغرب، والغرب كان فرنسا في القرن الثامن عشر، وبريطانيا في القرن التاسع عشر، وأميركا في القرن الحالي. وكان هذا هو أنموذج التحديث التركي والإيراني في بداية القرن العشرين. وهناك من يرى بأن التحديث يمر من بوابة المجتمع نفسه، وإصلاح شؤونه بالطريقة التي تناسبه، وهو أنموذج التحديث الياباني في القرن التاسع عشر وحتى الآن. وفي اعتقادي أنه لا خصومة ضرورية بين الأنموذجين، طالما كان الإنسان يأتي أولا قبل الآلة والمعمار.
وتجارب التحديث في بلداننا تعثرت لما تركز الإنفاق على تعمير المحيط، من دون أن يصحب ذلك بالتوازي استثمار في بناء الانسان، الذي يتوقع منه في النهاية أن يدير عملية التعمير، ويضمن نماءها واستمراريتها لعقود بعد انتهاء التحديث. وتعثرت عندما كانت عملية التحديث نخبوية، أي بدأت من قمة السلطة، وتعبر عن تحيزات شخصية لنموذج معين، وشكل محدد، ولم تكن بالضرورة تعبر عن دائرة أوسع من القناعات المجتمعية، التي يتوقع منها أن تكون داعمة ومحافظة على مخرجات العملية التحديثية.
لما انقلب رضا بهلوي على السلطة في إيران في 1925، كان متحيزا للمؤسسة العسكرية، وبدأ عملية التحديث منها. وكان متأثرا بنموذج أتاتورك في التحديث من دون أن يأخذ في الاعتبار اختلاف طبيعة المجتمع التركي-العثماني-السنّي، عن المجتمع الايراني، القجري، الشيعي. فقد كان باستطاعة أتاتورك أن يقضي على الطرق الصوفية، التي كان تمثل رافدا حيويا في التدين الشعبي، ويفرض على الرجال خلع الطربوش وارتداء القبعة الغربية، وعلى المرأة خلع الحجاب، من دون أن تلقى إجراءاته ثورة من المجتمع، لان الدولة كانت قوية، ومركزية ومسيطرة، والمؤسسة الدينية السنيّة التي كانت تستمد نفوذها من الاوقاف اضعفت تماما، فلم تعد قادرة على التعبئة للمقاومة.
أما المجتمع الايراني، فإنه اختلف عن التركي. فالدولة، التي تحكم جغرافية جبلية وعرة، لم تحقق نفس درجة المركزية والسيطرة، فظلت القبائل شبه مستقلة، واستمر نفوذ المؤسسة الدينية، بفضل نظام الخمس في المذهب الشيعي، حيويا وفاعلا، فرفض المجتمع إجراءات بهلوي التحديثية، وقاومها بشدة، أقلقت البريطانيين من مستقبل إيران النفطي، فتدخلت لخلعه بالقوة، ووضعت مكانه ابنه محمد في 1941. مشكلة محمد رضا بهلوي أنه لم يستوعب ديناميكية الدولة والمجتمع في إيران، ووقع في نفس أزمة والده، فحرق المراحل، وقفز بالتحديث متحيزا للنموذج البريطاني من دون أن يستثمر بداية في تحديث عقلية المجتمع، فانتهى مشروعه بالفشل في 1979.
وأما محمد علي، فقد كانت لديه رؤية أعمق، أقلقت البريطانيين والعثمانيين، لانها كانت رؤية تعد ببداية تحديث حقيقية، في وقت كان سقوط الدولة العثمانية وشيكا، والبريطانيون والفرنسيون يتهيؤون لتقسيم “كيكة” المنطقة بينهم. فبدأ بالتعليم، وإيفاد الطلبة إلى الخارج، لدراسة العلوم والهندسة. ولم يكن محمد علي مثقفا، أو مفكرا ولكن كان لديه ما يكفيه ليحدد بوصلة التحديث، واعتقد أنها كانت صحيحة ما دامت بدأت بالتعليم.
لكن محمد علي ارتكب أخطاء سهلت على أوروبا القضاء على مشروعه التحديثي. فقد كان طموحا لدرجة مخيفة وفيه رعونة مستفزة في بعض الاحيان. فقد ربط اقتصاده الوطني، بالاقتصاد العالمي، بطريقة فقد فيها تدريجيا استقلاله المحلي. كما أنه لم يعتمد في مشروعه التعليمي على المواطنين، وإنما على المقيمين، فمعظم الطلبة الذين ذهبوا للدراسة في الخارج لم يكونوا مصريين، وإنما كانوا من جنسيات أخرى أقامت في مصر منذ سنوات. يبدو أن محمد علي، ربما بحكم تحيزاته العرقية (من أصل ألباني) لم يكن يحسن الظن بقدرات المصريين، باستثناء شق الترع وبناء القناطر والزراعة.
والأهم أن مشروع محمد علي لم يستكمل من قِبَل ذريته، وإنما تحرك باتجهات أخرى معاكسة، وهذه مشكلة أي مشروع تحديثي يتحرك بواسطة أفراد، لديهم تحيزات رائعة لكن تظل شخصية، ولا يتحرك بواسطة مؤسسات تدعمها سياسة دولة وثقافة مجتمع. فقد جاء اسماعيل باشا وأنفق على تأسيس القاهرة الجديدة الملايين التي اقترضها مرهقا بها خزينة الدولة الخاوية. كان لديه حلم عبر عنه بوضوح وهو أن تكون القاهرة قطعة من باريس، وأن تحتوي على حدائق وكازينوهات وأوبرا. لم يهتم ببناء المدارس التي يمكن أن تخلق عقلية تسانده في مشروعه التحديثي، وتستثمر لسداد ديون مصر، فثار عليه المجتمع، بقيادة عرابي، وانتهى المشروع باحتلال البريطانيين مصر في 1882، وبقائهم فيها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
حسنا. دبي أربكتني، لكن زيارتي لها كانت ممتعة. استقليت الحافلة السياحية التي تأخذك في جولة رائعة حول المدينة، واستمعت إلى المرشدة السياحية وهي تحدثنا عن أحلام دبي في أن تكون (.....) في العالم، ومكان الفراغ يمكن أن تضع “أطول”، “أكبر”، “أجمل”، “أغرب”، “أضخم”.. ليس في الخليج، وليس في الدول العربية أو الاوروربية، وإنما... في العالم. من هذا المنطلق لم يكن فندق “برج العرب”، مجرد فندق عائم جميل الهندسة، وإنما فندق 7 نجوم، لا يسكنه سوى الاثرياء والمشاهير مثل مايكل جاكسون، وبيل كلنتون. سرعة الانجاز مهمة في دبي، فهي لا تبني أطول برج في العالم، بأكثر من 165 طابقا فقط، وإنما تبني كل طابق في أربعة أيام بحيث يفتتح البرج قريبا. الادهاش، وسحب “آه” من الافواه مهم في دبي، لذلك ستفتتح أكبر حديقة حيوانات، بها جميع الحيوانات التي خلقها الله، بما فيها التي انقرضت، تتحرك آليا، في حقيقة تحاكي فيلم “جوراسيك بارك”. والابداع مهم في دبي، لذلك ستفتتح لاول مرة في الخليج مواقف للباصات مكيّفة. والخدمات الصحية مهمة في دبي، لذلك ستفتتح أكبر مدينة طبية، تضم مستشفيات ومراكز علاج. كانت حركة التعمير، وتشييد البنيان مستمرة على مدار الساعة. وحده المواطن كان غائبا عن حداثة المشهد العمراني.
كتبها مجرد انسان في 06:24 صباحاً ::
بسم الله الرحمن الرحيم...
في البداية أشكرك على إنشاء هذه المدونة ، فبها كشفت لنا عن عقل إماراتي يستحق التقدير والإشادة.. وبينت لنا أن "المواطن" يستطيع أن "يفكر" و "يحلل" كغيره من بني البشر..!!
هذه المرة الأولى التي أكتب فيها تعليقاً على إحدى المدونات.. وشاء الله أن تكون مدونتك.. بعد أن تجولت في جنباتها وقرأت عدة مواضيع شدتني لمتابعة إنتاجك.. وكان ذلك بعد أن اهتديت إليها عن طريق مدونة أخي المدون "سردال" الذي وضع رابطاً في مدونته لأحد مقالاتك التي كانت تتحدث عن مشكلة التركيبة السكانية في دولة الإمارات العربية المتحدة..
واعتقد أن ما تناوله المقال الذي نقلته اليوم لهشام العوضي بعنوان "دبي.. تجربة مربكة" يرتبط إرتباطاً وثيقاً بهذه المشكلة الوطنية الكبرى -أعني التركيبة السكانية المختلة-..
وبالتالي فنحن حينما نتحدث عن ضرورة تحديث المواطن في دبي على وجه الخصوص يبنغي أن نوجد هذا المواطن أولا حتى يتم تحديثه..! فعندما نتحدث بصيغة المطلق عن المجتمع "الدبوي" فنحن نتحدث وبلا مبالغة عن مجتمع "معولم" يتكون من جميع جنسيات العالم تقريباً ولا يمثل المواطن -موضوع الحديث والتحديث- فيه سوى أقلية وجزء بسيط من هذا المجتمع العالمي..!
وبالتالي فإن موضوع الهوية والتركيبة السكانية في الخليج عموماً وفي الإمارات على وجه الخصوص يحدد الكثير من ملامح وآليات التحديث والأولويات التي يجب أن تنطلق من خلالها عملية التحديث ، على المديين القصير والطويل..
وعذراً على الإطالة..
مع خالص التحايا وتمنياتي لك بالتوفيق..
مجرد إنسان أيضاً :)
" إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ "
آل عمران 140
لنرى أين يأخذهم هوس (الأغرب) على مستوى العالم..
كتبت موضوعا عن الهوية وأتشرف بإطلاعك عليه أخي الكريم في مدونتي المتواضعة
وشكرا
I would like to thank you for bringing this subject up.
I hope this will open the closed eyes
مقالك هذا أخي مجرد إنسان أثار بداخلي الشجون.. لاأدري إلى أين سيأخذنا قطار أكبر و أطول و أضخم ... و و و
يكفي أن أقول أن المواطنين هم أول ضحايا لهذا الانفتاح غير المسبوق..
مجهول - مجرد انسان أيضا ..
شكرا جزيلا على مرورك اللطيف ..
تعزيز العنصر المواطن - الدبوي خاصة - مهمة كبيرة وصعبة في نفس الوقت ..
فالاغراءات المتلاحقة لفرص العمل في دبي تنمليء بغير المواطنين مما يزيد من تقليل نسبة العنصر المواطن في مجتمع دبي .. مما يحتم على دبي الدفع بمواطنيها للعمل داخل دبي وليس في مكان آخر قدر المستطاع .. والدفع بكلا الجنسين للعمل في دبي .. ويساعدها على ذلك افساح المجال للمواطنين من غير امارة دبي للعمل فيها بنفس الميزات خاصة إذا كانت لهذا المواطن نفس الحقوق التي لمواطن دبي - وهذا يعني تعزيز التكامل الاتحادي والابتعاد عن زمن المحليات -
وفي المقابل الآخر تقنين دخول الوافدين الجدد ويساعد ذلك العقلانية والهدوء في المشاريع الجديدة .. والتعامل مع المقيمين الحاليين في دبي من خلال
1# تعزيز البنية التحتية والمناطق السكنية في الإمارات الأخرى
2# انشاء قطار يربط جميع إمارات الدولة
مما سيدفع بالكثير من العاملين في دبي لٌلإقامة في إمارات أخرى الذي سيهديء من هيجان اسعار الايجار في دبي بل ربما تضعه في حدودة المنطقية
تحياتي لك
فواغي بنت صقر القاسمي ..
سنن التاريخ نبراس لنتعلم منه ..
شكرا لك ..
تحياتي
قهوة الصباح
هل الهوس أو الجري خلف الأكبر والأعلى إلخ هو هدف بحد ذاته ؟
شكرا لك وسأمر على مقالك
تحياتي
مجهول
i hope the same
don't mention it, it's my duty as a real national "hopefully"
thanks
أسامة
هذه المشاريع جميلة فعلا لو كان فقط تأثيرها تجاري ..
ولكنها مرتبطة بكامل كيان الوطن - للأسف -
تحياتي لك
الاسم: مجرد انسان
