يختتم اليوم المنتدى العربي للبث الإعلامي – كما أسمته صحيفة الاتحاد – أو المنتدى الإعلامي العربي 2007 – كما أسمته جريدة البيان منذ أيام خلت - الذي بدأت فعاليته الأمس في فندق الانتركونتينتال تحت رعاية مؤسسة الإمارات للإعلام "تلفزيون أبوظبي" الذي ناقش في يومه الأول – الأحد – أمور منها حركة الإصلاحيين في إيران و التنافس في طرح الوقائع ومدى حيادية وسائل الإعلام في تغطية النزاعات و وسائل الفضائيات في استقطاب الشارع العربي وقضية تمويل الفضائيات العربية.
لن أذهب بعيداً ففي الأسبوع الماضي انعقد مؤتمر الإعلام العربي 2007 في دبي والذي كان مطروحاً للنقاش فيه عدة ورقات لكن غالبية المشاركين تعرضوا لقضية حرية الإعلام في الواقع العربي وخرافة الحرية الإعلامية المزعومة – التي يدعيها كل بلد عربي بالمناسبة ! – وقضية تدخل الحكومة في تقييد الحريات وسلطة التمويل والإعلان في توجهات الوسيلة الإعلامية إلى غيرها من الأمور التي تتعلق بالحرية الإعلامية.
ما يثير الاستغراب هنا هو عدم التكامل في إقامة هذين المنتديين خلال أسبوع تقريبا بين مدينتي أبوظبي ودبي !
أذكر في خضم منافسات المرشحين لانتخابات مجلس الأمة الكويتي الأخير كان أحدهم يتعرض لبرنامجه وتوجهاته الاقتصادية في أهمية اختيار الأهداف الاقتصادية التي تتكامل – ولا تنسخ – مع التوجهات الأخرى الاقتصادية الموجودة خاصة في الإمارات وقطر. وهذا ما أكد الإشارة إليه رئيس الوزراء القطري مؤخراً إلى أهمية التكامل وعدم نسخ التجارب خاصة في منطقة إقليمية متجاورة.
فمن الأولى بطبيعة الحال هو وجود التكامل داخل حدود الدولة نفسها ! فنجد مثلاً مجلساً للتعليم خاصاُ بكل من أبوظبي ودبي مع أن الخزان البشري من المواطنين الذي يعملون فيهما هم من الإمارات الأخرى بنسبة واضحة. لأبدأ أولاً بشرح مفهوم الفيدرالية – المتبع كنظام سياسي في الإمارات – كما هو وارد في موسوعة ويكيبيديا فهي اتحاد اختياري بين ولايات أو دول أو أقوام تختلف قومياً أو عرقياً أو ديانة أو ثقافة – والاختلاف الوحيد بين إمارات الدولة هو في وجود مشيخات متعددة يختلف الولاء لها ! – حتى تتحول إلى شخصية قانونية واحدة أو نظام سياسي واحد مع احتفاظ أجزاء هذه الشخصية بخصوصيتها وهويتها – بمعنى آخر هو حفاظ كل مشيخة على حكم إمارتها – ويوجد تفويض للكيان المركزي للاتحاد بالبعض من الصلاحيات المشتركة مع الاحتفاظ ببعض الصلاحيات لهذه الأجزاء أو الولايات. بما يعني توافر الاستقلال الذاتي للولايات المكونة للاتحاد ولهذا أهم ما تتميز به الدول الفيدرالية أو الاتحادات الفيدرالية هو الاستقلال الذاتي لكل ولاية أو دولة مشتركة في الاتحاد. وللاتحاد الفيدرالي دستور يسمى الدستور الاتحادي يبين الأسس والركائز التي تقوم عليها الولايات أو الدول داخل الاتحاد كما يحدد الاختصاصات الاتحادية أو المركزية علاوة على بيان سلطات الولايات واختصاصاتها.
قبل أن أبدأ بإسقاط هذا التعريف العام على دولة الإمارات والدستور فيها لنرجع إلى التاريخ قليلاُ. فحينما أعلنت بريطانيا في عام 1968 نيتها الرحيل عن المنطقة في أواخر 1971 كان أمام الإمارات التسع – السبع بالإضافة إلى قطر والبحرين – مواجهة المصير المشترك الناجم عن الفراغ البريطاني ولم تكن إلا ثلاثة حلول: أولها: اتحاد جميع هذه الإمارات كبيرها وصغيرها وغنيتها وفقيرتها لبناء دولة حديثة تستطيع مواجهة المطامع الإقليمية لجيرانها.ثانيها: استقلال الإمارات الكبيرة والغنية وتأمين حمايتها عن طريق معاهدات دفاعية بينها وبين دول صديقة.
ثالثها: وقوع الإمارات الضعيفة ضحية لنظرية الفراغ البريطاني واستبداله بوجود إيراني أو حماية إيرانية أو حتى احتلال إيراني وعودة إلى تطبيق النظرية الإيرانية التوسعية في تحويل الخليج العربي إلى خليج فارسي وبحيرة إيرانية النفوذ والسلاح.
لذا كانت تختلف توجهات بعض الإمارات الراغبة في الاتحاد - كما ذكر رياض الريس في كتابه صراع الواحات والنفط هموم الخليج العربي بين 1986 1971 الصادر سنة 1973 - فالبحرين على سبيل المثال كانت ترغب بالانضمام في الاتحاد بشدة لرغبتها في أن لا تكون "فلسطين أخرى" باستيلاء إيران عليها مع رحيل البريطانيين خاصة مع مطالب إيران المستمرة بالبحرين - والتي أسطقتها لاحقاً واحتلت بدلاً منها جزراً تابعة لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة قبل الجلاء البريطاني ! فاتجهت البحرين حينها للاستقلال الذاتي خاصة مع الاختلافات الكثيرة والمستمرة حول الدستور وقضايا متعلقة بالاتحاد بين مختلف الإمارات - لذا كانت البحرين حينها ترغب بالانضمام إلى دولة قوية تحمي جانبها أمام المطامع الإيرانية في حين أنها كانت تحمل ريبة تجاه دبي تعود إلى الشك في طبيعة علاقات دبي مع إيران إلى جانب وجود أكثرية إيرانية كبيرة في دبي وسياسة الباب المفتوح التي يتبعها الشيخ راشد في كل ما يتعلق بالإيرانيين.
وقطر كانت تريد الاتحاد بشروطها وزعامتها وتحت نفوذها كما كانت تأمل في إخراج البحرين من الاتحاد عن طريق إحراجها تسديداً لديون عشائرية قديمة إلى جانب إرضاء إيران والمحافظة على العلاقات الحسنة بين الدوحة وطهران.
ودبي التي لم تكن تريد قيام الاتحاد أصلاً محافظة على مصالحها المرتبطة ارتباطاً عضويا وثيقاً بإيران والممثل لمصالحها في المنطقة في الوقت نفسه. وكانت أيضاً تريد إبعاد البحرين لنفس الأسباب وإرضاء لطموحات حليفتها قطر في مواجهة أبوظبي.
ولنتذكر أمراً آخر هنا وهو أن ساحل عمان - أو دولة الإمارات العربية المتحدة بعد قيام الاتحاد - كان يسمى بساحل المشيخات المتصالح ! لكثرة الحروب والمنافسة والحساسيات بين مشيخات المنطقة ! والتي كان لذلك خيار الفيدرالية هو المتاح لبقاء كل مشيخة على حكمها مع الحفاظ على مصالحها الخاصة في ظل دولة واحدة!
والفيدرالية بدأت في الأساس في الولايات المتحدة الأمريكية لاتحاد الدويلات -حوالي خمسين ولاية أمريكية - في حكومة مركزية مع بقاء الخصوصية لكل ولاية في إدارة أمورها الخاصة المحلية. ثم بدأ بتعميمها في مناطق عديدة من العالم ومنها سويسرا على سبيل المثال لذا توجد فيها مثلاً أكثر من لغة رسمية فقيام الاتحاد السويسري فيها نشأ مع الحفاظ على الهوية اللغوية والثقافية لكل منطقة فيها.
الحكومة المركزية أو الاتحادية في ظل النظام الفيدرالي تختص بمهمات محددة بينما يظل الباقي من مهام الحكومات المحلية فالحكومة المركزية تختص بشؤون الدفاع والقوات المسلحة, بينما ظلت دبي تحتفظ بجيشها الخاص بالرغم من قيام الاتحاد واندماجه مع الجيش الاتحادي فقط منذ سنوات معدودات !!
ثم تأتي قضية أخرى محورية في الاتحادات الفيدرالية في الجهة التي تدير الثروات الطبيعية كالنفط . وغالباً ما يكون استثمار المعادن والنفط والطاقة الذرية من مهام الحكومة المركزية وفي الدستور الإماراتي من ضمن اختصاصات الحكومة الاتحادية بند عام وغير واضح هو "أملاك الاتحاد وكل ما يتعلق بها". ومن المعلوم أن غالبية حقول النفط والغاز الطبيعي في الدولة هي في أبوظبي ويتولى المسؤولية عنها حكومة أبوظبي المحلية وليس الحكومة المركزية وهو ما يفسر الثراء الكبير لحكومة أبوظبي مع فقر كثير من الإمارات الأخرى. وهذا ما يوضح سبب الاختلاف الشديد في العراق مؤخراً حول قضية الفيدرالية إذ أن معارضيها في العراق كانوا يشترطون لتطبيق الفيدرالية أموراً منها قوة الحكومة المركزية وتوزيع الثروات والإشراف عليها يكون من مهام الحكومة المركزية لأن غالبية حقول النفط العراقي تتركز في الجنوب والشمال مما يعني تحول أقليم الوسط الذي يضم العاصمة بغداد إلى أقليم فقير مقارنة بالشمال والجنوب الغنيين بالنفط.
هذه الأمور وغيرها توضح عدم النضج السياسي وتفسر عدم التكامل بين إمارات الدولة في توجهاتها ومشاريعها وسبب الاهتمام ببعض الحكومات المحلية أكثر من الحكومة المركزية بل وسبب افتخار أفراد بعض إمارات الدولة بانتمائهم لإمارتهم أكثر من انتمائهم لدولة الإمارات !
عامل مهم جداً هنا نحو التصحيح هو في تقوية الحكومة المركزية واختصاصاتها فوق اعتبار كل الإمارات وأهمية اعتبار التكامل في توجهات الإمارات المختلفة بما يخدم الدولة بشكل صحيح وأهمية إدارة الثروات الطبيعية من قبلها لضمان التوزيع العادل للثروات بين جميع مناطق الدولة. خاصة أن الاختلافات أصلاً هي معدومة وإنما أساسها رغبة كل مشيخة في الحفاظ على الحكم ضمن إمارتها وليس ناتجاً عن اختلاف الثقافة أو اللغة أو الدين بين مواطني الدولة في جميع الإمارات ! ما قد يساعد في هذا الأمر هو عدم كسر خاطر مشيخاتنا في الحفاظ على مناصبهم وإنما تحويل القضية كالملكية البريطانية في كون المنصب شرفي وشكلي مع جمع الإمارات الثلاث دبي والشارقة وعجمان ضمن أقليم واحد إذ لا معنى لبقائهم مدن مختلفة ومتلاصقة في الوقت نفسه ! وذلك طبعا بعد إنضاج العملية السياسية في الدولة بحيث يكون الصالح العام للدولة والمواطن هو المهم في عملية التنمية والقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بدلاً من أن تكون الأولوية الأولى في الاعتبار هي مصالح ضيقة وهو ما نشاهده مثلاً في همجية المشاريع العمرانية على وجه التحديد من دون النظر إلى الاعتبارات الأخري فكما يذكر موقع cnn العربي مؤخراً تحت عنوان " الدول الخليجية تتراجع تكنولوجياً" ( المستثمرون الخليجيون مهتمون بتحقيق الربح السريع وهم لا يعمدون إلى إقامة وإنشاء مؤسسات تسمح بانتعاش وازدهار التكنولوجيا وفقاً لما ذكره عيسى محمد بستكي مدير إدارة التعليم والتدريب والبحث والتطوير في واحة دبي للسيلكون وأضاف بستكي "المشكلة مع الإبداع هي أن كل شركة تتوقع تحقيق عوائد سريعة, لكن الابتكارات الجديدة تحتاج إلى وقت وهي مثل الطعام يجب ان تطبخ على نار هادئة ) وهو ما يوضح بجلاء سبب الكثرة المجنونة من المشاريع العمرانية فالهدف الصريح منها هو تحقيق الأرباح السريعة بغض النظر عن تملك أجانب لوحدات سكنية هنا وبغض النظر عن التسبب في تأزم التركيبة السكانية بل حتى الكثير من المشاريع الأخرى كالرياضية على سبيل المثال فيتمثل جزء كبير منها في إقامة مشاريع عمرانية سكنية كبيرة إلى جانبها !
يبقى السؤال ما هو الحل الأفضل لإنضاج النظام السياسي وتحقيق التكامل الصحيح؟ ومن يكترث للموضوع أصلاُ؟ أم أن تطوير الأساليب الإدارية في الجهات الاتحادية هو الحل ؟
كتبها مجرد انسان في 09:49 صباحاً ::
شو السالفة حتى انا اسأل !!
رؤيه سياسيه ثاقبه
أعانك الله
أحمد ثروت
مصر
المنصوره
مجهول ..
دعوة للتساؤل والتأمل بعمق أكثر ..
تحياتي
أحمد ثروت ..
أعان الله الجميع ..
شكرا على تواجدك ..
تحياتي
مجرد انسان
الاسم: مجرد انسان
