التعدد .. المفترى عليه !!
كتبهامجرد انسان ، في 19 مارس 2007 الساعة: 07:15 ص
موضوع التعدد في الاسلام من الأمور التي يكثر فيها الجدل بين الفينة والأخرى والتي يفضل الرجل بشكل عام ممارسته أكثر من الحديث عنه بينما تنفر منه النساء , واللافت للنظر أن التعدد يذكر على أنه من ميزات الإسلام من جانب أناس في الجانب الإجتماعي على وجه التحديد بينما يعتبره آخرون من الأمور التي يتكؤون عليها للنيل من الإسلام.
في رأيي حتى ندرك كنه الموضوع وحقيقته يجب علينا أولاً إدراك البيئة المصاحبة له حتى تكون الصورة مكتملة. فمن المعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا غالباً ما لا يعيرون المرأة كبيرة اهتمام واحترام فهي محرومة من الميراث وكان بعضهم يئدها وكان الرجل يتزوج بالعدد الذي يشاء وكانت أولوياته ومتعه الجنسية لها التقدير فالمجتمع كان في الغالب مجتمعا ذكورياً.
ثم لنتذكر حقيقة أن المتعة الجنسية هي من المتع الغريزية اللذيذة للإنسان والتعامل معها يكون بذكاء ونقرن هذا التذكر بإن الإسلام جاء واضحاً صريحاً في أمور معينة كأصول الدين من الدعوة صراحة إلى نبذ الشرك بكافة صوره وأشكاله وحصر العبادة لله وحده, وفي أمور أخرى غريزية أو مما صارت من عوائد الناس تعامل معها على مراحل متعددة في توجيه الناس وتغيير طبائعهم والمثال الأبرز على ذلك مسألة الخمر فالأمر المباشر على دفعة واحدة للناس في الابتعاد عن الخمر سيكون عسيراً على الكثيرين ممن تعودوا عليها وخاصة أن الإقلاع عن عادة دفعة واحدة أمر صعب وهو كمدمن المخدرات, الذي يتعامل معه في علاجه على الاستمرار في اعطائه المخدرات بكميات تقل تدريجيا على مراحل متعددة حتى يتمكن جسمه من التعود على العيش من دون المخدرات. وفي مسألة الخمر لفتة تربوية اجتماعية مهمة جداُ في أن تغيير طبائع وعادات الناس السلبية -خاصة التي تكون محببة وممتعة- لا تكون دفعة واحدة وإنما في التدرج الذكي في علاجها.
إذا أدركنا ذلك مع تذكر حال المرأة قبل الإسلام, يبدو من الطبيعي والمنطقي جداً أن يعيد الإسلام الاعتبار للمرأة في تقنين التعدد مع التأكيد على اشتراط العدل بين النساء وهو الأمر الذي لم يكن بتاتاً في حسبان الرجل مع نسائه المهملات من قبله! والتطور المرحلي الحاصل بعد مجيء الإسلام لم يكن مجرد وضع حد أقصى للتعدد مع التشديد على أهمية العدل حال التعدد بل إنه أعاد الاعتبار للمرأة من ناحية الميراث واحترامها كإنسانة من النهي والتحذير مثلا من إساءة معاملتها أول النهار ثم مجامعتها آخر الليل! والترهيب من وأد البنات في التذكير بأن جزاء من أحسن تربية بناته الجنة, إلى غير ذلك من الأمور.
ولنتذكر أنه لا يوجد حديث - فيما أعلم - يأمر الرجل بالتعدد وإنما غالبها في التحذير من إهمال العدل بين الزوجات! ولكن الشيء الذي دائماً ما يتردد في هذا الشأن هو الآية القرآنية والزعم نتيجة لذلك أن الأصل في الإسلام هو التعدد! وهو في رأيي قصور متكرر يقع فيه الفقه التقليدي نتيجة لاجتزائه الآيات وحتى الأحاديث من سياقاتها العامة والتعامل مع الآية القرآنية الواحدة وأحيانا الجزء من الآية ومع الحديث النبوي على أساس أنه بند في دستور! ومن المعلوم أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما مفرقاً تعليقاً لأحداث جارية وإجابة لتساؤلات الناس او توجيهاً لهم فالنظر للآية يجب أن يفهم من خلال سياقها ومناسبة نزولها, لذلك لننظر للآية التي يعتمد عليها في قضية التعدد كاملة من دون اجتزاء وهي الآية الثالثة من سورة النساء
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا
لوجدنا أنها جاءت في سياق الحديث عن اليتامى وقوله "فانكحوا" يؤكد من خلال فـــاء السببية أنها عائدة ومتعلقة بما قبلها !
على العموم حتى على اعتبار شرعية التعدد, لننظر مرة أخرى في أهم وأصدق تطبيق له وهو التعدد الذي حصل من جانب النبي عليه الصلاة والسلام, فكل زوجاته -عدا عائشة- كن مطلقات وأرامل, كما أن منهن من هي بنت سيد اليهود -صفية- ومنهن من هي ليست عربية -مارية القبطية-, ولنتمعن قليلاُ هنا في غالبية التعدد الحاصل هذه الأيام فالستيني والخمسيني يتزوج العشرينية! وغالبا ما تكون الزوجة الثانية عزباء. وهنا لازالت القضية القبلية تحكم العقلية العربية فابن العائلة الفلانية لا يمكنه الارتباط من ابنة العائلة العلانية أو هذه المدينة الآخرى و من تلك الدولة والجنسية! فصارت الاعتبارات العرقية هي الأولوية المطلقة في الترابط الأسري -وهو مظهر لاستمرار حيوية وبقاء الروح القبلية فينا وانا هنا لا انفي مطلقا أن الاختلاف العرقي "قد" يكون سببا لعدم التوافق والانسجام- وأحيانا يأخذ الخمسيني أو الستيني من عشرينية ذات جنسية أخرى ليس احتراما لجميع الأعراق الأخرى وإنما لصعوبة وجود عشرينية من بلده ستقبل بالزواج منه! فلو كان الثلاثيني يتزوج من عشرينية مطلقة أو كان الأربعيني يتزوج من ثلاثينية عزباء أو مطلقة لصح زعم البعض من أن التعدد يحل مشاكل اجتماعية, لكن بتطبيق الكثيرين يبدو أنهم لايزالون يتعاملون بعقلية أولوية الرجل ومتعه من الزواج دائما من الصغيرة العزباء!
أعلم أنه يوجد بعض الرجال من يطبق التعدد بطريقة مقبولة, لكن ذلك لا ينفي وجود كثرة أخرى تستخدمه بصورة معكوسة مغلوطة, ومع إيماني بكون العمر ليس المقياس الأوحد للارتباط لكن فارق السن الواضح في كثير من حالات التعدد يستوجب النظر العميق في الموضوع!
وأود ان أنبه ختاماَ لأمر لا يذكر بالقدر الذي يذكر فيه أمر التعدد وهو قضية رفض النبي عليه الصلاة والسلام في أن يتزوج علي رضي الله عنه على ابنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- فاطمة الزهراء رضي الله عنها حيث لم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر وفلسفة, مجتمع | السمات:فكر وفلسفة, مجتمع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 19th, 2007 at 19 مارس 2007 4:43 م
أخي.. مجرد إنسان..
موضوعك فائق المصداقية، والواقعية..
ويا ليت كل الناس تتفكر وتتدبر بمعاني الآيات، والأحاديث، ثم سيرة النبي العطرة وخلفاءه الراشدين..
سلمت يداك..
ودمت بخير..
مارس 20th, 2007 at 20 مارس 2007 3:48 ص
قبل أن أكمل موضوعك كنت سأرد بذات الرد و هو تفسير الآية الكريمة التي اختصت باليتامى ممن فقدن آبائهن في الحروب و الفتوحات الإسلامية و لم تكن شاملة جميع النساء كقاعدة عامة / ثم لا يجب علينا أن نتجاهل قوله تعالى ( و لن تعدلوا ، فواحدة) فليس بعد قوله قول .. لماذا يتجاهل علماؤنا هذه الحقيقة و يصرون على مغالطة الدين و السنة بفقههم المعوج دائما ، فيتحملون أوزار الخليقةلا لشيء إلا لإرضاء شبقهم !
ليت المسلمين يوما يتفقون على إعادة تنقيح الدين مما داخله من شوائب و تشويه على أيدي علماء السلطان حتىتعود لهذا الدين هيبته و يطلع الآخرون على حقيقته .
أخالف القول :
(أعلم أنه يوجد بعض الرجال من يطبق التعدد بطريقة مقبولة )
لا يوجد تعدد بطريقة مقبولة ، إن كان ذلك مقبولا بالنسبة للرجل فهو حتما إهانة و انتقاص من قدر المرأة و كرامتها ، ذلك أنها لا يحق لها ذات الحق الذي يحق لزوجها .. فكيف تقبل بمن يشاركها زوجها و يكون ذلك عدلا .. لا و الله ليس ذلك عدلاالبتة و لا مجال هنا للمقارنة بما أقدم عليه الرسول من تعداد بوحي من السماء و في غالبيتهن لم يكن شابات أو جميلات .
مارس 20th, 2007 at 20 مارس 2007 8:45 ص
ربي الدرع ..
شكري الجزيل على تواجدك الطيب ..
تحياتي
مارس 20th, 2007 at 20 مارس 2007 9:27 ص
فواغي القاسمي ..
# الآية التي حددت التعدد كانت في سياق الحديث عن اليتامي وهو ما يعني أن تكون الزوجة الثانية أرملة ..والمطلقة تأخذ حكمها كما هو واضح..
# لذا ذكرت أن المنطقي للرجل حينما يريد التعدد أن يكن هؤلاء هن من يوجهن لهن النظر في خياراته .. لأنه من المعلوم والمشاهد أن المرأة حينما تتطلق أو تترمل غالبا ما تسقط من اعتبارات جميع الرجال العازبين منهم والمتزوجين على حد سواء.
# زواج الرسول عليه الصلاة والسلام من عائشة رضي الله عنها العزباء كان الاستثناء وليس القاعدة العامة.. لو تأملنا فيه قليلا لوجدنا غايته .. فغالبية زوجاته ماتوا بعد فترة وجيزة من وفاته فيما عاشت عائشة لسنوات عديدة ومنها نقلت لنا جانبا من حياة الرسول كنا سنجهله وهي حياته داخل بيته مع زوجاته ..
# اعرف حالات طبقت التعدد بالطريقة المذكورة أعلاه .. من تزوج بالثانية مثلا وهي تقريبا في نفس عمر زوجته الأولى !! فلم يكن المعيار بتاتا الشابة الصغيرة الجميلة العزباء ..
# الآية الأخرى كاملة
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
فيها عدة أمور .. منها
>> ذكر حقيقة بدهية وهي عدم إمكانية العدل بين النساء .. ولا اظن أحدا استطاع أن يكون فعلا عادلا في أي شيء -بعيدا عن الزوجات- لدرجة تجعل كل من قام بالعدل بينهم يرضون بشكل كامل عنه ..والاهتمام بذكر هذه الجزئية في رأيي إلى أن إهمال العدل في الحياة الزوجية له كوراث كبيرة.
>> لذا جاء بعدها التوجيه (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) فالفاء هنا تعني نتيجة لما سبق من استحالة تطبيق العدل المثالي والكامل فجاء النهي واضحا في مقابله عن الميلان لواحدة في مقابل الأخرى وهو ما يمثل الظلم الصريح
# فمن الظلم التعميم على كل الرجال .. كما انه من الظلم في رأيي حينما نتكلم عن التعدد هو نطلع “فقط” على ردة فعل المرأة على الموضوع … وحتى نكون منصفين يجب أن نرى ردة فعل الرجل وسبب قيامه بالتعدد .. أعني سؤال من قام بالتعدد على وجه التحديد وليس كل الرجال ..
# لا يوجد امرأة اطلاقا تقبل حقيقة بالتعدد ولا تشعر أي شيء حياله .. وتختلف ردة فعلهن من واحدة إلى الأخرى .. خاصة حينما لا تكون الزوجة الثانية مطلقة أو أرملة بل آنسة صغيرة ..فتكون القضية أشد إيلاما للمرأة لما لها من دلالة واضحة على أنه قام بالتعدد لأسباب غريزية بحتة او انه قد “مل” من زوجته الأولى ببساطة!
# أنا ختمت بالتذكير في رفض الرسول عليه الصلاة والسلام في أن يتزوج علي على فاطمة .. وهنا سؤال وجيه .. لو كان التعدد “واجبا” على من يقول بأن الأصل هو التعدد .. فهل يحق لأي أحد كائنا من كان بمخالفة الأمر الإلهي حتى لو كان الرسول؟؟!! وهذا ما يعيدنا إلى المقدمة الطويلة التي مهدت لها بطريقة غير مباشرة في هل التعدد هو شرعة دائمة أم قضية مرحلية؟ أم حل بشروطه لبعض الأمور الاجتماعية فقط؟
# اتفق معك تماما في حاجتنا للمراجعة الدينية في كثير من الأمور .. ولا استطيع ان الوم “فقط” رجل الدين فردا فردا .. فهم يعيدون استنساخ انفسهم بحيث تبقى العقلية الدينية على نفس الوتيرة والنظرة المعكوسة هي المعيار دائما !
ومن الصعب النقاش مع من اغلق عقله او حجر عينيه لرؤية زاوية واحدة صغيرة من اللوحة الكاملة .. لذا أنا اعتقد أن اهم تمهيد لمعالجة العقلية الدينية هذه وحتى الاستبداد السياسي هو البدء من التربية فكلما كانت التربية بأسلوب صحيح بعيد عن العنف واحتكار الأب لرأيه وفرضه ما يقول على أبنائه واحترامه لما يقوله أطفاله .. كلما نشأ لنا جيل كيفما كان رأيه سيكون من السهولة النقاش والحوار معه بهدوء بعيدا عن محاورة الطرشان التقليدية التي يحاول فيها الابن الجديد مجرد فرض رأيه على غيره ومستبعدا الاحترام لأي رأي ولأي شخص يحمل رأيا مخالفا لرأيه ..
تحياتي لك ..
وشكرا جزيلا على هذه المداخلة اللطيفة والجميلة
أكتوبر 18th, 2007 at 18 أكتوبر 2007 8:05 ص
اشكرك اخي على طرح هذه القضية المهمة وكثير من الرجال للاسف الشديد يتخذ من هذا الموضوع للانتقاص من حق المرأة او السخرية منها او تهديدها
هناك رجال يتخذون من موضوع التعدد وسيلة لقهر المرأة وجعلها تستجيب لكل ما يطلبوه والا قاموا بالزواج عليها
يكفي ان يقوم رجل ناقص الضمير والذمة بتهديد المرأة امام اصدقائه او اهله او اهلها فقط
للسخرية وحتى لو كانت هي التي تصرف عليه وهو عاطل عن العمل يأخذ كل راتبها ليصرفها على ملذاته
ولا يتذكر الله ورسوله وتطبيق الشرع وما يقتضيه الشرع الا في هذه القضية
اما ان يصلي لله فهذا يمكن تأجيله وليس مهما
او يصوم او يراعي حقوق الجار او حقوق الاهل او حقوق الزوجة فهذه اشياء غير مهمة
ولا داعي لان يدخل الدين طرفا فيها
هنا تظهر الازدواجية في المعايير والتفكير
فما كان من الدين في صالحه يأخذة ويتمسك به ويلوي عنقه ، وما كان من الدين ما يتطلب منه ولو مجهود بسيط فهذا شيئ شخصي لا دخل لاحد به ولا يمكن ان يحاسب عليها فهو رجل !!!! واي رجل !!!!
نوفمبر 26th, 2007 at 26 نوفمبر 2007 7:47 ص
nono
وفوق هذه الازدواجية نجد كما تقولين الأصدقاء و أهله او أهلها يغضون الطرف عن ذلك وكأنهم يساندون فيما هو بديهي وحق له ولا يحركون ساكنا لو أساء لزوجته ! فالمجتمع والبيئة تدفعهم للتعنت فيما يقوم حتى من الحريم - أمه مثلا - قد يؤيدونه أحيانا !
يوليو 30th, 2008 at 30 يوليو 2008 8:51 م
المصيبة هي عندما يتصدر للتفسير كل من هب ودب.
سؤال أخي الكريم، هل أنت من أهل العلم بالتفسير؟ و ما قصدك من القول الفقه التقليدي؟
يا أخي، دع العلم الشرعي لأهله و لا تتحدث بما تعتقده من غير أن يكون لك باع في العلم الشرعي. الدين، هو الشيء الوحيد الذي يحلو لكل من أراد أن يخوض فيه. و إن أحد تكلم في غير تخصصه من التخصصات الدنيوية إنتقد بشدة و عنف لأنه يتحدث في مالايخصه.
و الحديث عن موقف الرسول من زواج علي كان واضحاً و علله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنه لا يجتمع تحت سقف واحد بنت رسول الله و بنت عدو الله. فلا داعي للإستطراد و فتح الموضوع للتأويل من قبل الجهال. فليس العمل بكثرة القراءة و إنما بمصاحبة العلماء والأخذ عنهم و التأدب عندهم. ومن كان شيخه كتابة غلب خطأه صوابه.
هداني الله وإياك إلى الحق، اللهم آمين.